ابو ذر الغفاري
أهتمامات وهوايات ومقالات وأراء متنوعة (خاصة ومقتبسة)
الغرق
عاصفة قادمة ..
صحت بأعلى صوتي .. كررت النداء .. اختفت صرخاتي مع هدير العاصفة .. كنت أعلى برج المراقبة .. أُوكلت إلى المهمة مع قِصَر نظري الشديد ..     لحظات وعانقتنا العاصفة .. تمايلت السفينة ..  كانت أشبه براقصة باليه ترقص على موسيقى صاخبة .. السماء صعَّرت خدها وقلبت سحنتها .. تغير لونها كمن سكب عليها زجاجة حبر أسود .. البحر هاج وماج وغُطيَ بزبد أبيض .. يصفع السفينة بكلتا يديه ..  ساد الذعر طاقم السفينة .. الركاب بالأسفل  لا يدرون شيئاً .. الربان في المقصورة يحتسي نبيذاً ويفترش مومساً .. السفينة تتهادى لحتفها .. شعرت بالذعر .. بهستيريةٍ كبيرةٍ أَصرخُ .. شريطُ ذكرياتي يمر أمامي ..  ارتكبت غلطة عمري عندما أطعت الربان الجديد .. القديم أفنى عمره في البحار .. اكتسب خبرة كبيرة في الإبحار .. كما أن له طاقماً مدرباً ممتازاً.. يقبعون الآن جميعاً في قعر البحر بعد أن ربطوا بالسلاسل والأثقال ...  وكل من عارض من أفراد الطاقم جاورهم .. كنت ممن هلَّلْ... وبَشَّر .. صِغَر سني ، وشبابي ، وقلة معرفتي ، وحماستي ، دوافعي لأكون من المشجعين .. بل الضاربين .. والقاتلين أحياناً .. إيماني بكلِّ المبادئ أنساني كلَّ المبادئ .. في ليلة لم يطلع لها قمر .. اختفى القمر .. وغابت معه كل النجوم .. أكاد  آكل يداي ندماً .. يزداد زئير العاصفة وارتفاع الموج ...  موجة كبيرة تتقدم نحو مقدم السفينةِ ــ السائرةِ إلى حتفها ــ كحوتٍ كبير يَفْغُرُ فَاهُ .. الربان في شغل عن العاصفة .. ليست الأولى التي تنجو منها السفينة ( لسان حاله يقول ) .. أما الركاب فيتمايلون مع الأمواج .. لم تنجح العاصفة في ايقاضهم من سكرهم .. إنهم يقبعون في قاع السفينة وقد تشاغلوا بأنفسهم عن أنفسهم  .. غرقت السفينة  ونجوت .. ساعدتني بدلة النجاة في البقاء طافياً .. لكني أصبحت بلا مأوى .... بعد ساعات من الضياع على السطح انتشلني مركبٌ مع من نجا من السفينة ..  مرت العاصفة  .. تعافيت .. قررت أن أزور الأطلال .. غصتُ لأستطلع ما حدث لسفينتي ... من الأعلى الرؤية غير واضحة .. كما ازداد العمق كلما قل الضوء وازداد الضغط ..بدت كصخرة كبيرة مظلمة .. كلما اقتربتُ توضَّحت المعالم .. هاهي تركن على جرف صخري .. غُطِّيت جدرانها بالطحالب .. أشلاء بجوارها .. كم تقطع قلبي مشاهدتها على هذه الحالة .. ليتني احتفظت بذكرياتي القديمة .. لكن لحظة !! .. توجد حَياة .. اقتربت أكثر وهالني ما أرى .. إنها مسكونة  ..  تَمَّتَ بشر يتحركون !! .. تَحَوَّرُوا ؟!..  نبت لكل منهم  خياشيم وزعانف ومارسوا حياتهم بالقاع ...
 
البقيي تأتي .. مع السلامة
 
                                                                                     بقلم: محمد عبدالهادي الجمل


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية