مهنة الطب مهنة إنسانية وأخلاقية وتقوم أساساً على العلم وتحتم على من يمارسها أن يكون ملماً بها ومدرباً تدريباً كافياً على ممارستها وأن يحترم الشخصية الإنسانية في جميع الظروف والأحوال، ومن المعروف أن كل عمل طبي يستهدف مصلحة المريض المطلقة وأن تكون له ضرورة تبرره، وبأن الرعاية الصحية هي أحد حقوق الإنسان الأساسية التي يعمل المجتمع على الوفاء بها تجاه جميع أبناءه. ومهنة الطب من أشرف المهن لولا أن بعض الأطباء-هداهم الله- في زماننا قد أساءوا إليها قد يكون السبب الرغبة الجامحة في الثراء السريع فقد تجد بعض الأطباء يوهمون المريض بحاجته لإجراء عملية جراحية لاستئصال اللوزتين أو لاستئصال الزائدة الدودية أو غير ذلك دون ضرورة، بل ربما يكون إجراء تلك العملية في غير مصلحة المريض، فنجد أن الأطباء المخلصين للمهنة ينصحون المرضى في مثل هذه الحالات بضرورة استشارة أكثر من طبيب مع اشتراط المهارة والتدين في الطبيب الذي يتعاملون معه.
إن كل ما قيل ويقال وسوف يقال عن حال الطب والأطباء في ليبيا قليل مقارنة بما يحدث بالفعل في أروقة المستشفيات والعيادات، أشياء لو لم يحكيها لي من عاشوها فعلا لقلت إن هذا مستحيل أن يحدث أو يصدر عن بشر أسوياء ما بالك عن الأطباء الذين ائتمناهم على حياتنا وحياة أحبائنا، وأكبر دليل على ذلك هو هرب معظم الليبيين للعلاج في الدول المجاورة لأبسط الأمراض.
إن ما جعلني أكتب عن هذا الموضوع هي حادثة حدثت معي أو عشت معظم أحداثها. وهي باختصار: كان لي أخت حدث لها آلام حادة في البطن فتم نقلها إلى المستشفى المركزي العام بمدينة مصراتة، بقيت هناك ليوم ونصف دون عناية كافية ودون اهتمام من الأطباء غير المؤهلين ولا من الممرضات غير الرحيمات ودون إجراء فحوصات كافية وتحاليل وصور لتحديد المرض وبعد مرور يومين ونصف على وجودها في المستشفى قرروا إدخالها لغرفة العمليات لفتح البطن ومعرفة ماذا يوجد بها من مشاكل (تصوروا)، وطلبوا أحد الأقارب للتوقيع على العملية ولكن أخي أخرجها من المستشفى العام ونقلها إلى مستشفى خاص وهناك تم تشخيص الحالة على أنها التهاب حاد في الزائدة الدودية وقد تكون منفجرة وبالفعل تم أخد الإجراءات اللازمة من تحاليل وصور وغيرها لـتأكيد المرض، ثم تم إدخالها للعمليات وبقيت تحت العمليات ثلاث ساعات بسبب وجود مضاعفات والتهابات وصديد حتى إنه تم إزالة جزء من المصران، وتم علاج حالتها على أحسن ما يرام.
إلى هنا والقصة قد تمر على أي أحد ولكن ما حدث بعد ذلك هو الأمر الذي لا يسكت عنه، حيث صادف أن الطبيب الذي تابع حالتها في المستشفى العام كان موجودا في هذا المستشفى الخاص وقد وصلته بطريقة ما شكوى منا نحن عن ما حدث في المستشفى العام فما كان منه إلا ن دخل على أختي بغرفتها بحجة العلاج والشرر في عينه و أسمعها كلاما لا يصدر إلا من طبيب جاهل وتافه وأخذ يبرر ما حدث بالمستشفى العام بتبريرات غير مقبولة، وأن الذنب ليس ذنبه وأنه شخّص الحالة كما ينبغي وأنكم تفضلون الأجنبي على الوطني وأنكم تصدرون الإشاعات ضدي وماذا تستطيعون أن تفعلوا لي حتى ولو اشتكيتم للشرطة وكلام غيره. وحتى بعد أن شكونا للمستشفى الخاص من هذه التصرفات وذهابي معهم إليه وجدت شخصا تافها وجاهلا ليس له علاقة بمهنة الطب ولا هم له إلا أن يقال عنه أنه طبيب ممتاز بالرغم من كل ما حدث.
لا أدري لماذا معظم أطباء اليوم يشعرون بأنهم فوق البشر ويتعاملون مع بقية الناس من مرضى وغيرهم بتكبر وازدراء حتى أن أحدهم كان ينصح طلبة كلية الطب بهذا السلوك وينصحهم بعدم الاختلاط بالعوام من الناس لأنهم دون المستوى. ينبغي على الطبيب أن يتواضع لله تعالى ويشكره على أن وفقه لهذه الخدمة الجليلة، وأن لا يزين له الشيطان أن الشفاء يتم بعلم الطبيب وذكائه وفطنته، بل يرجع السبب إلى توفيق الله، وأن الطبيب بشر تجري على يديه أقدار الله جل وعلا بتوفيقه ومشيئته وإرادته وحكمه وعدله. فالتواضع خلق كريم، يزيد الطبيب رفعة وعزاً ويحببه إلى قلوب الآخرين يقول الإمام القيم ابن القيم– رحمه الله - : "ومن مكايده –أي الشيطان– أنه يأمرك أن تلقى المساكين وذوي الحاجات بوجه عبوس ولا تريهم بشراً ولا طلاقة، فيطمعوا فيك ويتجرءوا عليك، وتسقط هيبتك من قلوبهم، فيحرمك صالح أدعيتهم، وميل قلوبهم إليك، ومحبتهم لك فيأمرك بسوء الخلق، ومنع البشر والطلاقة مع هؤلاء، وبحسن الخلق والبشر مع أولئك، ليفتح لك باب الشر ويغلق عنك باب الخير". رغب الشارع في قول الخير لأن فيه تذكيراً بالله عز وجل، فينبغي على الطبيب أن ينفس على مرضاه وأن يبتسم في وجوههم لقوله– صلى الله عليه وسلم: "تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وأن يخفض صوته عند مخاطبة المريض لقوله تعالى {واغضض من صوتك} أدبا مع المرضى والناس، فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة لما اختص بذلك الحمار(أكرمكم الله) إذ أن رفع الصوت على الغير سوء في الأدب وفيه عدم احترام الآخرين. على الطبيب أن يبذل كل ما في وسعه لعلاج مرضاه وأن يعمل على تخفيف آلامهم وأن يحسن معاملتهم وأن يساوى بينهم في الرعاية دون تمييز.
بالله عليكم هل من الطبيعي أن يتحدث طبيب إلى مريض بهذا الأسلوب.
بالله عليكم ماذا تفعلون لو كنتم مكاني.









