في برنامج مباشر في إذاعة محلية ترددها قصير جداً كأفق بعضهم كان الحوار على أشده عن "خبزة الكوشة.. ووضعها السيئ! ووزنها المسروق! وشكلها المحروق!! وعنصرية صاحب الكوشة في تقديمه لزبائن دون آخرين..." فلازلنا وحفاظاً على التقاليد العربية حيث التمسك وإلى حد النخاع بالتسويف والتأجيل والترقب وأحياناً (التتقيز) كلما ارتبط الأمر بالإصلاح ففشلنا في التصليح ولو على صعيد رغيف الخبز... أمر لا تكفيه علامة تعجب واحدة ولا عشرات منها: ففي وقت يستفهم فيه رجل الشارع المغلوب على أمره الذي لا يفيق من صدمة حتى تأتيه الأخرى.. حتى اقتنع بما تبقى من قواه العقلية أن بلاده التي تطفو فوق بركة من أفضل خامات البترول - يضعها في مصاف الدول الأولى من حيث الاحتياطي!- لم يستطع أصحاب ربطات العنق فيها في رسم هذه الصورة في خلايا عقله الباطن التي ألفت منظر "فواتير هات" العاجلة و"فواتير خذ" الآجلة؛ و أدمن الانتظار في طوابير طويلة.. ومنذ الطفولة بدأت بطابور مدرسي ممل يشعر فيه التلميذ أنه "كبش" وفي أحسن الأحوال "قابية" إذا ما حدثته نفسه البريئة التعليق على منظر مدرس.. ولكم أن تتخيلوا منظر مدرس يعيش على فتات مرتب هزيل توزع ربعه على طابور من الضرائب! أو آخر جاء على عجل بعد أن أنهى صفقة "سناري" خاسرة! لم يقتنع ولن تقتنع خلايا دماغه بأن بلاده البترولية التي يعشقها إلى حد النخاع جعلته يفكر في أن يتحول إلى مسحراتي بعد أن أخفقت كل محاولاته في النوم لعله يهرب من كوابيس القوائم الطويلة، وهي ذاتها التي تمنيه بزيادة متخمة في مرتبه الهزيل بعد رفعها الدعم عن السكر والطماطم والبنزين، وهي ذاتها التي تترصد فرحته بالعيد بفاتورة تهدده بقطع الخدمة إذا ما فكر في تأخير سداد المبلغ أدناه؛ وفي حال قطعها فانه لن ينعم بالخدمة حتى يدفع المبلغ على مضض مضاف إليه ضريبة التأخير عن الدفع وضريبة إرجاع الخدمة والتعهد بعدم التأخر مجدداً!. ومجدداً سترى النشاز الذي أضحى عرفاً وسيلاحقك هاجس رغيف الخبز حتى وأنت على أعتاب بوابة حولت منظر مستشفى مسكين إلى ثكنة عسكرية لا سبيل لتخطيها إلا بربع دينار أو نصفه.. وهو المنظر ذاته الذي يحول دون دخولك سوق تجاري من الدرجة الرابعة في مشهد لا علاقة له بخامات البترول!. وهي ذاتها التي حولت منظر كبش فداء إسماعيل في ثنايا عقله الباطن إلى دراكيولا سينقض ليشرب ما تبقى من دم ثلاثة في واحد ضغط دم وأنيميا وسكري! دم احتار أطباء صفاقس في تصنيفه حتى ظنوا أنها فصيلة جديدة! بعد أن اعتادت مصحاتهم دماء من يعللون توقف نبض الصحة بقلة إمكانيات دولتهم النفطية بعد أن ذهبت عملاتها الصعبة والسهلة لشراء المزارع والمباني والسيارات والذمم والليالي الملونة مع عشيقاتهم! ولا تتوقف أسباب ركود جيب المواطن الليبي عند هذا الحد حتى بعد أن اقتنعوا ولو ظاهراً بأن هناك من يشاركهم في نفط ليبيا العزيز وأنه ليس حكراً عليهم ولا شراب نخبة وأنه ليس -كما يقول النيهوم-: "صفقة تجارية.. لعبة تستطيع أن تؤدي إلى خلق مجتمع من الشطار وتستطيع أن تؤدي إلى خلق مجتمع من الغربان المتشابهة، كل مواطن فيه يشبه المواطن الآخر ريشة بريشة، وتستطيع أن تؤدي إلى خلق حظيرة محشوة بالعجول التي يلحس أحدها الآخر..".
24/06/2007
رضا علي عيسى
reda2233@Yahoo.com









